مقال

البرازيل: وسائط الإعلام المحلّية تمرّ بفترة حرجة

تشهد قرابة %45 من البلديّات البرازيليّة اليوم حالة حرمان من التّغطية الإخباريّة المحلّية. ولمواجهة هذا "التصحّر الإعلاميّ"، ظهرت مبادرات لتغطية الأخبار المحلّية لكنّ نموذجها الاقتصادي لا يزال، في كثير من الأحيان، غير مضمون الاستدامة.

تَضرّرت وسائل الإعلام التّقليديّة البرازيليّة، كمثيلاتها في بقيّة العالم، جرّاء عزوف القُرَّاء وانسحاب المُسْتشهِرِين وأصبحت في وضعيّة هشاشة حيث أغلقت أكثر من 600 مؤسّسة إعلاميّة أبوابها في البرازيل في سنة 2025. وتجاوزا للإحصائيّات، يُعدّ هذا الوضع تفسّخًا تدريجيًّا للهويّة الجماعيّة.

تقول مديرة التّحرير السّابقة للنّشرة البرازيليّة لصحيفة "البلد"El País، كارلا خيمينيز Carla Jimenez، بعد أن عاشت الفراغ الذي خلّفه إغلاق مقرّ الصّحيفة سنة 2021 كفاجعة اجتماعية حقيقيّة: "شعر العديد من القُرَّاء بأنهم خسروا حليفاً لهم".

وقد أُطلقت هذه النّشرة البرازيليّة، المتفرّعة عن الصّحيفة اليوميّة الإسبانيّة، في عام 2013 لتغطية أخبار البلاد ولتكون صدى لمواضيع غالباً ما تغفل عنها الصّحافة التّقليديّة من قبيل حقوق المرأة وحقوق ومطالب الأقليّات العرقيّة. لكن التّجربة لم تدم سوى بضع سنوات نتيجة الفشل في إيجاد نموذج اقتصاديّ قابل للحياة.

إنّ الوضع مثير للقلق خاصّة بالنّسبة لوسائط الإعلام المحلّية؛ إذ يُحرم اليوم ما يقرب من ٪45 من بلديّات البرازيل من التّغطية الإخباريّة المحلّية حيث لا يتواجد بها صحفيّ واحد قادر على تغطية اجتماعات المجالس البلديّة أو كشف عمليّات الاختلاس ومختلف التّجاوزات الماليّة أو نقل أخبار السكّان بالأحياء.

لقد أغلقت صحيفة دياريو بوبولار دي بيلوتاس Diário Popular de Pelotas (اليومية الشعبية لمدينة بيلوتاس) العريقة في ولاية ريو غراندي دو سول أبوابها في سنة 2024 بعد أكثر من مائة وثلاثين عاماً من الصّدور. في حين تكافح أقدم صحيفة في أمريكا اللاّتينيّة، دياريو دي بيرنامبوكو Diário de Pernambuco، في شمال شرق البرازيل من أجل البقاء.

انتعاشة خادعة

والمفارقة أنّ الصّمت الإعلامي على الصّعيد الوطني يبدو وكأنّه بصدد التّراجع مع ظهور فاعلين رقميّين جدد. فحسب آخر إحصاء أجرته قاعدة بيانات أطلس دا نوتيسيا Atlas da Notícia حول الصّحافة، سُجّل انخفاض بنسبة ٪7،7 خلال العامين الماضيين في عدد "الصّحاري الإعلاميّة" وتمكنّت 251 بلدية من تجاوز حالة "التصحّر الإعلامي"، في حين استعادت 143 مدينة في منطقة الشّمال الشّرقي صوتها الإعلاميّ المحلّي.

لكن يرى مُنسِّق أطلس دا نوتيسيا، سيرجيو لودتكي Sérgio Lüdtke، أنّ هذه الحيويّة الإعلاميّة الجديدة لا تضمن بالضّرورة حياة ديمقراطية صحيّة؛ حيث تُعزى الانتعاشة الملحوظة أساسًا إلى نشأة بوّابات إخبارية محلّية مستقلّة إضافة إلى انتشار المدوّنات الشّخصيّة والصّفحات الإخباريّة على شبكات التّواصل الاجتماعي. ويعود الفضل في العديد من هذه المبادرات إلى الصّحفيّين المحلّيين والمؤثّرين في مجال الأخبار Newsfluencers الذين أنشأوا قنواتهم الخاصّة لنشر المعلومات الإخباريّة عقب توقّف عمل وسائط الإعلام التّقليدية في مناطقهم.

استعادت العديد من بلديات البرازيل صوتها الإعلامي المحلّي بفضل المؤثّرين في مجال الأخبار Newsfluencers

بيد أنّ هذه المبادرات تصطدم بصعوبة تحقيق الاستدامة بحكم عجزها عن إيجاد نموذج اقتصادي مستدام؛ فقد تضاعف العدد الإجمالي لوسائط الإعلام الرّقمية المتوقّفة عن النّشاط خلال عامين فقط، حيث ارتفع من 317 خلال العام 2023 إلى 651 في سنة 2025. ويأسف سيرجيو لودتكي Sérgio Lüdtke "لاختفاء كل أثر لهذه الوسائط الإعلاميّة الجديدة بعد توقّف نشاطها"؛ إذ تختفي خوادمها الحاملة للذّاكرة المحلّية التي لطالما سعت إلى حفظها.

وتبرز ظاهرة أخرى متمثّلة في سعي المواقع الإلكترونيّة للبلديّات Prefeituras البرازيليّة لملء الفراغ الإعلامي النّاجم عن غياب الصّحافة المحلّية المستقلّة. ويعرب سيرجيو لودتكي عن أسفه بقوله: "عندما يتحوّل [موقع] البلديّة إلى منتج رئيسي للمحتوى، تختنق الصّحافة وتندثر؛ ويعسر على المواطن التّمييز بين المعلومات الإخباريّة العامّة والبلاغات السّياسيّة".

خدمة عامّة أساسيّة

في وقت تكافح فيه العديد من وسائط الإعلام المحلّيّة من أجل البقاء، تظهر وسائط إعلام من نوع جديد. ففريق تحرير صحيفة Poder360 الرّقمية في العاصمة الفيدراليّة برازيليا تتمتّع بوضع جدّ مريح حيث تضاعف عدد موظّفيها أربع مرّات منذ العام 2019. ولئن يعمل قرابة 80 صحافيًّا في هذه المؤسّسة الإعلاميّة الرّقميّة تحت أنظار صورة رئيس التّحرير السّابق الأسطوري لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية، بن برادلي، فإن مكاتبها ذات الجدران الزّجاجية أبعد ما يكون عن الأجواء المفعمة حيويّة والتي كانت تسود غرف التّحرير في الماضي.

ففي كلّ مكان، تنتشر الشّاشات المزدوجة المخصّصة لمراقبة البيانات في الوقت الحقيقيّ. وقد تحوّل ذلك الذي كان في البداية عمودا صحفيّا أو فقرة إعلاميّة على منصّة "الكون عبر الإنترنت" Universo Online (UOL)، إحدى أكبر البوّابات الإلكترونية المختصّة في صناعة المحتوى الرّقمي في البرازيل، إلى وسيلة إعلام رقميّة بنسبة %100. ولا تتوفّر هذه الصّحيفة على أقسام للرّياضة أو التّرفيه بل تعمل فرق Poder360 على تفكيك الأحداث السّياسيّة والاقتصاديّة وتقديم قراءات مُعمّقة للقوانين والميزانيّات العامّة والإصلاحات الضريبيّة في شكل رسوم بيانية أو مُلخَّصات سهلة الفهم موجّهة إلى صُنّاع القرار من سياسييّن ورجال أعمال وديبلوماسييّن ومحلّلين.

تسعى العديد من وسائط الإعلام إلى كسب "الانخراط" من خلال إثارة المشاعر أو التّعبير عن آراء منحازة

يعزو المدير التّنفيذي لمنصّة UOL، غييريرمي ألبندري Guilherme Alpendre، هذا النّجاح إلى أسلوب عمل قائم على تقديم الحقائق واستهداف موضوعات محدّدة. يقول في معرض تحليله لهذه النّجاحات أنّ العديد من وسائل الإعلام قد تخلّت عن هذه الممارسة الصّحفيّة سعياً إلى كسب "الانخراط من خلال إثارة المشاعر أو التّعبير عن آراء منحازة".

على النّقيض من المقاربة التي تنتهجها Poder360، ظهرت مبادرات على شبكات التّواصل الاجتماعيّ لتغطية أخبار الأحياء مثل المبادرة الإعلاميّة "سيلانديا.. مشاكل بالجملة"  Ceilândia Muita Tret التي تغطّي أخبار الأحياء الحزاميّة للعاصمة الفيديرالية برازيليا. وقد وُلد هذا المشروع على منصّة فيسبوك قبل أن يتحوّل إلى بديلٍ مُواطنيّ يهدف إلى سدّ الفراغ الذي تركته وسائط الإعلام التّقليديّة.

وتعطي عبارة "Treta" (نزاع أو إشكال) فكرة عن ماهيّة هذه المبادرة التي تتيح لسكّان الأحياء إمكانيّة إبلاغ السّلط عن حالات الاختلال والقصور مثل نقص المعدّات في أحد المراكز الصّحّية أو حدوث عطب في نظام إنارة الشّوارع.

بين المدوّنات الإخبارية العابرة وغرف التّحرير المتطوّرة التي تستهدف مواضيع فائقة الدّقّة، ما زال المشهد الإعلامي البرازيلي يتلمّس طريقه ويظلّ الرّهان حاسما.  ينادي فرناندو أوليفيرا باولينو Fernando Oliveira Paulino، الأستاذ في كلية الإعلام والاتّصال بجامعة برازيليا (UnB) بوجوب الدّفاع عن الصّحافة ككلّ والمحلّية منها بالأخصّ باعتبارها خدمة عامّة على غرار الصّحة أو التّعليم، "فلا يستقيم الحديث عن مواطنين كاملي الحقوق وهم يعيشون في مناطق لا تزال غير مرئيّة مقارنة ببقيّة البلاد. إنّ التّغطية الإخبارية المحلّية ليست مجرّد عنصر مكمّل للدّيمقراطية، بل هي شرط أساسي لها".